إب .. فلوريدا يمنية من عهد
بلقيس الصغرى
ـــــــــــــــــــ
إب على جبل بعدان وتبدو عاصمة الدولة الصليحية (اعلى)
هناك مثل يوناني قديم يقول:"إذا أردت أن ترى اليونان جيداً
فعليك الذهاب إلى صقلية.." وقد كان هذا مثل مبالغ فيه، لكن
الحقيقة هي "إذا أردت أن ترى اليمن جيداً فعليك الذهاب إلى
محافظة إب اليمنية". إذ لا يمكنك مقاومة ذلك الانطباع الجميل،
وأنت تتأمل كيف صنع الله فسيفساء أثرية وبشرية في هذا
المكان من الأرض.
البشر والتاريخ والآثار يثبتون أنهم جزءً من الجمهورية، لكن
الطبيعة الساحرة، توحي للوهلة الاولى ، ان مايربطها بالكل هو
الجغرافيا وليس أكثر من ذلك.
اب .. هذه المحافظة المغرورة بفستانها الأخضر وبسيدتنا الحرة
بلقيس الصغرى، لا زالت بلوحاتها الجدارية ومتاحفها المفتوحة
تزخر في طياتها بالكثير من الكنوز تحت أكوام من الطين والرمال،
ومازالت الحفريات التي تكشف عن المزيد منها حتى الآن، تعطي
دلالات أنها تمثل حلقة هامة في ذاكرة الأمة.
ففي وقفاتك المختلفة لدى زيارتك محافظة إب، تستطيع أن تسمع
محدثك الإبي. وإن كان متبرما – يقول لك هذه "جبلة" هذه "ظفار"،
ومدينة إب القديمة، حماماتها ومعابدها،التي صمد ت برغم الأهمال ،
وكونت متحفاً أرضياً ثميناً.
يحدثك عن لحظات الصفاء القليلة جداً في تاريخنا، وكيف كان
الإنسان هنا يحلم بالوصول إلى كل الأطراف ليجعلها وطناً، ولكن
سيوف الأعداء لم تدع لهم طريقاً، وقد يتملكك خوف حقيقي وأنت
محاصر بصليل السيوف في إحدى الطرق الضيقة التي
وصفها لك محدثك.
تستطيع كذلك من خلال حديثه معرفة عظمة ذلك الانسان القادر
على النظر أبعد من السيف الذي كان يحمله، وكيف كون وطناً لا
يعرف الذل، ثم عاد إلى الأمن فتمنى أن تكون له أرضاً
يزرعها وزوجة يأوي إليها.
إذا نهضت من النوم متأخراً في مدينة إب، فلن تشهد الزخم
المعتاد في الشوارع والمطاعم على الأخص.. وعندما بدأنا جولتنا
في صباح متأخر بشوارع المدينة، دخلنا المطعم فكنا وحدنا، بحيث
بدت المدينة أكثر هدوءاً من أي بلدة ريفية.. لم يكن هذا صباح بعد
عيد ساخن، لأن الدلائل ليست ظاهرة، بل صمت مطبق
من دون بائعي الزهور.
كان مرافقنا، يتحدث مبرراً هذا السكون غير المألوف :"مدينة إب
مزدحمة بإستمرار وشوارعها زاخرة بالحياة.. وكل يوم لا يخلو من
حادث سير مروري، بسبب مخالفات عربات النقل الصغيرة التي تتقافز
على امتداد الطريق..".
محافظة إب تحمل نفس طابع المحافظات اليمنية الكبيرة، صنعاء، تعز،
الحديدة، لكنها أقل أنفتاحاً، ومع ذلك فهي ثاني أكبر تجمع انتخابي في
البلاد بعد محافظة تعز الجنوبية منها، وهو ما يضعها في ثقل سياسي
بحجم ذلك الذي تحتله ولاية فلوريدا الاميركية بالنسبة
لفرقاء العملية السياسية.
عندما تصل إلى مدينة إب، فان عليك السير على الطريق القديم، الذي
سيقودك حتى قمة التل، حيث تقع المدينة القديمة ، ولن تتوه في الأزقة،
كما حدث معك عند زيارتك الأولى لصنعاء القديمة.
وللاستمتاع، توجه يمنياً عبر إحدى الحارات حيث يبدأ الطريق
بالصعود نحو الجامع الكبير الذي يعود تاريخ بنائه إلى عهد الخليفة
الاسلامي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم تابع السير من خلال
أزقة السوق القديم في شبه دائرة مستعرضاً ذلك الفن المعماري، الذي
تمتاز به المدينة القديمة، حيث الزخارف التي تزين واجهات المنازل
المكونة من 5-4 طوابق.
وإب القديمة التي أزدهرت كمركز إداري هام ، خلال فترة حكم العثمانيين
(1848- 1923)م، تعتبر أحد أهم المواقع السياحية في المحافظة، وأهم
المدن اليمنية التي برزت في العصر الاسلامي.
وفي ربوة عالية على السفح الغربي من جبل بعدان، تنام المدينة
بهدوء، وكأنها تتوسد الريش، أميرة في قلب محافظة إب، فيما يبدو
جبل بعدان من الشرق، وكأنه حارسها العتيد، كقاسيون دمشق.
ماذا عساك أن تفعل عندما تكون على موعد مع العظمة، مع التاريخ،
حيث موجات العمران التي قادها من هنا الملوك الأوائل، أسعد الكامل
وأروى بنت احمد الصليحي، وحيث الخوف من الزحف العشوائي
للمباني الاسمنتية على القديم الخلاق،
وعلى الطبيعة الخلابة الساحرة.
مدن، وناس، وأحداث.. معابد، ومدارس قديمة، ومبان متوجة
بالزخارف .. خليط من المدن والأجيال في بقعة ضيقة من الأرض.
وقد حدثنا شيوخ إب كيف كانت مدينتهم، وكيف أختار أبناؤها هذا
التل غير الصالح للزراعة مكاناً لها، ثم زحفت مبانيها لتطال الأراضي
الخصبة، الغنية بكل مقومات التربة .
بلقيس الصغرى..
بعد جولتنا في مدينة إب القديمة، لم نكن نعلم أننا على موعد مسائي
مع عاصمة الدولة الصليحية التي حكمت في الفترة 1138-1047م.
جبلة .. المدينة الغامضة، الغنية بالكنوز، المفتونة بملكتها (أروى)
التي تحدت المخاطر ودخلت في عدة اختبارات مهلكة، اجتازتها
جميعاً بنجاح منقطع النظير..
وجبلة التي كانت تسمى مدينة النهرين، تقوم على ربوة بين نهرين
كبيرين كانا جاريين حتى – كما يقول الجبليون- لو أن كلبا دخلها من
أي اتجاه، غسل رجليه قبل أن تطأ أرضها المقدسة.
أرتبط تاريخ هذه المدينة العريقة بالدولة الصليحية التي حكمت اليمن
كلها، وكان مؤسس هذه الدولة علي بن الصليحي، الذي بدأ دعوته في
جبل مسار بمنطقة حراز، ومن حصن مسار بعد أن أشهر الدعوة بسط
نفوذ دولته على جميع مخالف اليمن، وقلاعها، وحصونها، وسهولها
وجبالها،حتىامتد نفوذه من مكة إلى حضرموت ومن عدن حتى صعدة.
بعد وفاة الملك المؤسس قام ابنه الملك المكرم أحمد بن علي بن محمد
الصليحي بإدارة أمور الدولة، وثبت منجزات والده بعد أن أخمد الفتن،
وقام بتوحيد العملة اليمنية.
وفي الجزء الاخير من حياة المكرم أصابه المرض، وصارت أمور
الدولة في يد زوجته السيدة الحرة أروى بنت أحمد الصليحي.
كل ذلك ولا زالت صنعاء عاصمة للدولة، والى ان رأت الملكة أروى
بثاقب فكرها، أن تجعل من جبله دار قرار، فأشارت على زوجها الملك
بانتقال عاصمة الدولة من صنعاء إلى جبلة، لأن ذلك أقر للمملكة
ولثبوت قواعدها، ولان العاصمة الجديدة تتوسط بين أطراف اليمن
الهامة، ومناخها معتدل وبها يخصب العيش ويطيب المحل.
اقتنع المكرم بوجهه نظر الملكة، وترك صنعاء واستقر بدار العز التي
بناها في العاصمة الجديدة، وأقام بها مدة حتى اشتد به المرض ليتوفاه
عام 1085م بعد حكم دام 18 سنة.
هذه التفاصيل التاريخية تستطيع أخذها من شيوخ المدينة، الذين لا
يزالون يرددونها على مسامع الابناء والزوار، وهم يعتبرون أن حكم
السيدة أروى يمثل مرحلة جديدة في تاريخ اليمن ونهوضاً حضارياً في
كافة مجالات الحياة، حيث الصلاح المفرط والتقوى والخبرة والواسعة
والمعرفة الفائقة بأحوال الناس، ما ساعدها على إدارة شئون مملكتها
بحنكة وإقتدار أوصلتها إلى قلوب رعيتها فكانوا يخاطبونها "سيدتنا
الحرة الملكة" حباً فيها وإجلالاً لها، كما كانوا يسمونها
"الملكة بلقيس الصغرى" لرجاحة عقلها وحسن تدبيرها.
إن ما يمكن أن يكون عامل جذب سياحي في هذه البلدة الطيبة، هو
التعرف إلى ما كان الانسان اليمني يفعله قبل أكثر من 900 سنة من
الآن في سبيل إدارة شؤون الدولة، وخلق بنية تحتية للنهوض
الحضاري والتعليمي من خلال بناء المدارس في كل الأطراف.
وباعتزاز أكبر يقول أبناء جبلة، أن الملكة منحت رعاياها حرية
الاعتقاد وشيدت العمائر الدينية من جوامع ومساجد، وصرفت الاموال
الطائلة من أجل العلم، وكانت أول من مهد الطرق في اليمن.
كما اهتمت السيدة بالمجال العسكري، لحماية الدولة من المتربصين
الاعداء، ولا زالت معالم هذا الاهتمام بادية للعيان حتى الآن، حصوناً
وقلاعاً، ولعل إهتمامها بتوسيع الموانئ البحرية وفي المقدمة ميناء
عدن، شاهد على السعي لخلق دولة حضارية ضاربة الجذور، تستمد
قوتها من قوة اقتصادياتها.
وعندما تقف إلى جانب جامع السيدة، ويشير لك أحد الابناء إلى تلك
المساحات الشاسعة التي وضعتها الملكة أوقافاً لخدمة وترميم منشآت
العلم ومساعدة المشتغلين فيه من المدرسين والطلاب، تدرك ما تمثله
هذه الفترة من تاريخ اليمن كصفحة مضيئة لا زالت إشعاعاتها تلمع
في كل تراب اليمن ووجدان أهلها.
هل أنتم مستعدون؟.. قال مرشدنا في جبلة، تأهباً لزيارة ضريح الملكة،
الذي لا يخيل لك أن تزوره دون أن تخلع نعليك أحتراساً ومهابة.
ويفترض وأنت تقترب من الوادي، الذي يبدأ منه الطريق القديم
المرصوف بالحجارة أن تكون الزيارة سيراً على الأقدام، هناك
جمعية "أروى" التاريخية التي تضم نخبة من أساتذة التاريخ في
المدينة، سيكونون في استقبالك.
وعندما تصعد باتجاه السوق، حيث السلم الحجري الممتد إلى جامع
الملكة، فتتوقف أمام بوابة المسجد لترى الجزء الأكب ر من مدينة
جبلة، وأنت تستمتع إلى أحد أعضاء الجمعية وهو يحدثك عن أروى ،
عن الفاطميين وعن الملكة اليمنية الوحيدة في العصر الإسلامي وعن
شخصيتها ، وعن أعمالها العظيمة، وحب الناس لها.. عن مآثرها،
وعن جامعها المهيب وصحنه ومسبحتها المكونة من ألف حبة.
وما من شيء أشد إيلاما في هذه اللحظات، أكثر من مشاهدة الانهيار
المتواصل للآثار، الذي يرمز إليه قصر الملكة أروى، الذي كان يتكون
من 360 غرفة تتنقل فيها الملكة طوال أيام السنة، قبل أن تتخاطف
أثاره أيدي العابثين، ليبدو الآن وكأنه مكبا للنفايات مهجوراً خالياً،
إلا من رائحة التاريخ وعبقه.
ــــــــــــــــــــــــ